عبد الرحمن السهيلي
161
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وأما واهاً ، فإن معناها : التعجب ، وإيهاً معناها : الأمر بالكف . وقولها : إن تقبلوا نعانق ، فيقال : إنها تمثلت بهذا الرجز ، وإنه لهند بنت طارق بن بياضة الإيادية ، قالته في حرب الفرس لإياد ، فعلى هذا يكون إنشاده : بنات طارق ، بالنصب على الاختصاص ، كما قال : * نحن بني ضبّة أصحاب الجمل * وإن كانت أرادت النجم فبنات مرفوع ، لأنه خبر مبتدأ أي : نحن شريفات رفيعات كالنجوم ، وهذا التأويل عندي بعيد ، لأن طارقاً وصف للنجم لطروقه ، فلو أرادته لقالت : بنات الطارق إلا أني وجدت للزبير بن أبي بكر أنه قال في كتاب أنساب قريش له أول هذا الرجز الذي قالته عند يوم أحد : نحن بنات طارق * نمشي على النّمارق * مشي القطا النّواتق إلى آخر الرجز ، قال : وحدثني يحيى بن عبد الملك الهديري ، قال : جلست ليلةً وراء الضحاك بن عثمان الجذامي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا متقنع فذكر الضحاك وأصحابه قول هند يوم أحد : نحن بنات طارق ، فقالوا : ما طارق ؟ فقلت : النجم ، فالتفت الضحاك ، فقال : أبا زكريا ، وكيف بذلك ؟ فقلت : قال الله تبارك وتعالى : « والسَّمَاءِ والطَّارِقِ وما أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ » : فإنها قالت : نحن بنات النجم ، فقال : أحسنت . أبو دجانة : وذكر أبا دجانة ، ولبسه المشهرة ، وأبو دجانة الساعدي ممن دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم وحنا عليه يوم أحد وترس عليه بنفسه ، حتى كثرت النبل في ظهره ، واستشهد يوم اليمامة ، بعد أن شارك في قتل مسيلمة ، اشترك في قتله هو ووحشي وعبد الله بن زيد ، وسنذكر ما قاله سيف بن عمر في قاتل مسيلمة في آخر الباب إن شاء الله . وذكر قول أبي دجانة : * إنّي امرؤٌ عاهدني خليلي * يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك كان أبو هريرة يقول : حدثني خليلي ، وأنكره عليه بعض الصحابة ، وقال له : متى كان خليلك ، وإنما أنكر عليه المنكر هذا لقوله عليه السلام : لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن أخوة الإسلام وليس في هذا الحديث ما يدفع أن يقول الصحابي حدثني خليلي ، لأنهم يريدون به معنى الحبيب ، وإنما فيه عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقولها لأحد من أصحابه ، ولا خص بها أحداً دون أن يمنع غيره من أصحابه أن يقولها له ، وما كان في قلوبهم من المحبة له يقتضي هذا ، وأكثر منه ، ما لم يكن الغلو والقول المكروه ، فقد قال عليه السلام : لا تطروني ، كما أطرت النصارى المسيح ، فإنما أنا عبد الله ورسوله . وقال لرجل قال له : أنت سيدنا وأطولنا طولاً ، وأنت الجفنة الغراء ، فقال : قولوا بقولكم ، ولا يستجرينكم الشيطان أي : قولوا بقول أهل دينكم وأهل ملتكم ، كذا فسره الخطابي ، ومعناه عندي : قولوا : بقولكم ، لا بقول الشيطان ، لأنه قد جعلهم جرياً له ، أي : وكيلاً ورسولاً ،